لم تكن الكرة، أو كرة القدم في ملعب أدرار، مجرد جلد يدحرج فوق العشب الأخضر، وفضاء معري، بل لغة جامعة، وكلمات موحدة وشعارات متناسقة، وحكاية مشتركة نسجتها القلوب قبل الأقدام. مع أول صفارة للحكم، واستعدادات تبهر الجماهير وتشعل نار الحماس . انطلقت المشاعر كما تنطلق الكرة في مسارات متعددة، تتقاطع فيها الرغبة في الفوز مع متعة الفرجة، ويتحول فيها الاختلاف بين منتخب ومنافسه إلى تنافس شريف يجمع ولا يفرق. جمهور يصفق ويهتف بشعارات موحدة وشارات متناسقة
في مدرجات ملعب أدرار، لم تكن الألوان مجرد قمصان، بل تعبيرات عن الانتماء والشغف.اجناس ولغات مختلفة، جماهير غفيرة توافدت من كل حدب وصوب، حملت معها الأهازيج والرايات، وزيّنت المكان بفرحة صادقة نابعة من القلب، جعلت من الملعب فضاءً للاحتفال أكثر منه ساحة للصراع الكروي.
ومع كل تمريرة، وكل محاولة، كانت القلوب تخفق بالإيقاع نفسه. صفارات الحكام لا تعلن فقط عن بداية شوط أو نهايته، بل تضبط إيقاع لعبة تدار بقوانين، وتحيا بشغف جماهيرها. كرة تتحرك بين الأقدام، وأحاسيس تتحرك بين المدرجات، في انسجام نادر لا تصنعه إلا الرياضة.
أكادير، وهي تستقبل هذا الجمهور الكبير، بدت كمدينة تحتفل بنفسها وبضيوفها في آن واحد. الزينات، التنظيم، والوجوه المبتسمة في محيط الملعب، الأمن والسلطات وجنود الخفاء، كلها تفاصيل أكدت أن الكرة حين تحضر، تحضر معها الفرحة، ويغيب كل ما عداها.
وفي نهاية الدقائق الاخيرة، قد يختلف عدداد الأهداف، لكن المحصلة واحدة: لحظة كروية صافية، وذاكرة جماعية مشتركة، تثبت أن كرة القدم ليست فقط منافسة على النتيجة، بل مساحة إنسانية تلتقي فيها القلوب على شغف واحد، وتبقى فيها الفرجة أجمل من أي رقم على لوحة النتائج.
وهكذا، لم تكن هذه اللحظة الكروية مجرد مباراة عابرة، بل صورة مصغرة لما يمكن أن تقدمه أكادير خلال كأس الأمم الإفريقية 2025؛ مدينة تعرف كيف تستقبل، وجمهور يعرف كيف يحتفي، وملعب يضبط إيقاع الشغف قبل إيقاع اللعب. إنها كرة القدم حين تتحول إلى جسر إنساني جامع، ورسالة واضحة بأن أكادير جاهزة لأن تكون، خلال العرس القاري المقبل، قلبا نابضا للفرجة والتنظيم والفرح الإفريقي المشترك.
وإلى جانب هذه اللوحة المزخرفة يظل الرهان الحقيقي هو ترسيخ الوعي الجماعي بأهمية الحفاظ على الروح الرياضية، خاصة في ظل بعض السلوكيات المعزولة المرتبطة بالشغب الكروي، والتي لا تعكس القيم الحقيقية للجماهير الواعية. فرغم هذه العراقيل المحدودة، أكدت أكادير مرة أخرى قدرتها على فرض النظام واحترام القواعد، والضبط المحكم لمثل هذه السلوكيات بفضل يقظة السلطات الأمنية، وانخراط المتدخلين، وتجاوب أغلب الجماهير مع النداءات التحسيسية، هو استعداد تجند له الجميع كل من موقعه حتى تكون مدينة اكادير قادرة على ضبط الشغب الكروي، حين نضبط انفعالاتنا، نكسب احترام الاخرين قبل نتيجة المباراة، والحماس الحقيقي لايكتمل بلا انضباط والتشجيع الراقي الذي يرفع من قيمة الفريق ويحفظ صورة المدينة التي تجند لها الجميع، مدينة قادرة على ضبط الشغب الكروي حين يتجول الشباب الى شركاء النجاح، لان كرة القدم روح جامعة تجمع بين الحماس والإرادة واعية ومسؤولة في مستوى الرهان القارئ
إنها رسالة واضحة بأن نجاح التظاهرات الرياضية لا يقاس فقط بالحضور الجماهيري أو جودة التنظيم، بل أيضا بمدى وعي الجمهور بدوره في إنجاح الحدث، وجعل المدرجات فضاء للفرح لا للتوتر، وللتنافس الشريف لا للتعصب. أكادير، بهذا الوعي الجماعي، تبرهن أنها قادرة على الجمع بين الشغف والنظام، وبين الحماس والمسؤولية، في أفق عرس قاري يجعل من كرة القدم أداة للتقارب لا للاصطدام.
بقلم الاعلامية حنان كرامي