افتتحت، أمس الاثنين بالرباط، فعاليات الدورة الثامنة لبرنامج “الإكليل الثقافي” الذي تنظمه جمعية رباط الفتح للتنمية المستديمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وذلك تحت شعار “الثقافة وآفاق التحديث”، في محطة ثقافية تسعى إلى استكشاف العلاقة بين التراث الثقافي والتحولات الرقمية المتسارعة.
وتتواصل أنشطة هذه الدورة إلى غاية 30 يونيو الجاري، من خلال برنامج متنوع يضم ندوات فكرية ومحاضرات علمية وسهرات فنية وفعاليات تفاعلية، تروم فتح نقاشات معمقة حول مستقبل الثقافة والمعرفة في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
واختارت الجمعية أن تستهل الدورة بموضوع “الرباط عاصمة الكتاب: عبق التاريخ وتحديات الرقمنة”، في محاولة لإبراز المكانة التاريخية للعاصمة المغربية كفضاء للعلم والكتاب، ومناقشة التحديات والفرص التي تطرحها الثورة الرقمية على قطاع الثقافة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس جمعية رباط الفتح، عبد الكريم بناني، أن الرباط تظل إحدى أبرز الحواضر الثقافية بالمملكة، بما راكمته من إرث معرفي وحضاري جعلها مركزا لإنتاج الفكر وتداول المعرفة، مشيرا إلى أن الاحتفاء بالعاصمة كمدينة للكتاب ينسجم مع الرؤية الرامية إلى تثمين الذاكرة الثقافية الوطنية وربطها بمتطلبات العصر.
من جانبه، سلط مصطفى الجوهري، نائب رئيس الجمعية المكلف بالتوثيق والنشر، الضوء على تاريخ الخزانات الخاصة بالرباط ودورها في بناء المشهد الثقافي للعاصمة، مستعرضا مساهمات شخصيات رباطية بارزة في ترسيخ ثقافة الكتاب والقراءة عبر أجيال متعاقبة.
وأشار إلى أن الخزانات المنزلية لم تكن مجرد مبادرات فردية، بل شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية للمدينة وأسهمت في حفظ رصيد معرفي وثقافي مهم، مؤكدا أن الكتاب يواجه اليوم تحديات جديدة تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ما يستدعي التفكير في سبل تجديد حضوره واستمراره.
وفي السياق ذاته، تناول الخبير في الاتحاد الدولي للمواصلات أحمد خوجة، خلال مداخلة بعنوان “الكتاب وتحديات الرقمنة”، التحولات التي عرفها عالم المعرفة منذ اختراع الطباعة وصولا إلى الثورة الرقمية، معتبرا أن التكنولوجيا غيرت جذريا طرق إنتاج المحتوى وتداوله وإتاحته.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة متقدمة لدعم القدرات البشرية وتوسيع إمكاناتها، دون أن يكون بديلا عن الإبداع الإنساني، مؤكدا أن مستقبل الكتاب يظل مرتبطا بقدرته على التكيف مع الوسائط الجديدة وتلبية حاجيات الأجيال الصاعدة.
ولا تقتصر فعاليات “الإكليل الثقافي” على الجانب الفكري فقط، بل تشمل معارض فنية وتكريمات لرموز الأغنية المغربية الراحلين، في إطار الاحتفاء بالذاكرة الفنية الوطنية وتعريف الأجيال الجديدة بإسهاماتها الإبداعية.
كما تخصص الدورة حيزا مهما لدعم الشباب والابتكار من خلال تنظيم ملتقى الرباط للألعاب الإلكترونية والابتكار الرقمي، الذي يشكل منصة لتشجيع المطورين المغاربة واستكشاف فرص الاستثمار والتشغيل في قطاع الصناعات الرقمية والألعاب الإلكترونية.
وتكتسي دورة هذه السنة أهمية خاصة لتزامنها مع الذكرى الأربعين لتأسيس جمعية رباط الفتح، التي تواصل من خلال هذا الموعد الثقافي تعزيز الحوار بين الأصالة والتحديث، وترسيخ الثقافة كرافعة للتنمية والانفتاح على التحولات العالمية.
و م ع