احتضنت جامعة ابن زهر، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، يومي 8 و9 أبريل 2026، ندوة دولية خصصت لمناقشة التحول الديمغرافي الذي يشهده المغرب، في ظل تزايد مؤشرات شيخوخة السكان وما تطرحه من رهانات اجتماعية وتنموية متسارعة.
اللقاء العلمي، الذي نظمه “مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية” بتنسيق من الدكتور زهير البحيري والدكتور حسن مجدي، جمع ثلة من الباحثين المغاربة والأجانب، وفتح نقاشا معمقا حول سبل الانتقال من مقاربات تقليدية في التعامل مع الشيخوخة إلى رؤى أكثر شمولا تقوم على الكرامة والحقوق.
امتدت أشغال الندوة على مدى يومين عبر ست جلسات علمية، قاربت ظاهرة الشيخوخة من زوايا متداخلة، لم تقتصر على المؤشرات الديمغرافية، بل شملت الأبعاد النفسية والاجتماعية والمجالية. وتوقف المشاركون عند قضايا دقيقة، من قبيل تزايد تأنيث الشيخوخة، والهشاشة الصامتة التي تعاني منها فئات واسعة من المسنين، إضافة إلى التحديات المرتبطة بأمراض مثل مرض الزهايمر، في ظل محدودية بنيات الاستقبال والرعاية المتخصصة.
كما أثار المتدخلون إشكالية العزلة الاجتماعية، التي قد تتطور إلى ما يعرف بـ”الموت الاجتماعي”، في سياق التحولات التي تعرفها البنيات الأسرية وأنماط العيش.
شكلت مسألة إعادة تعريف نموذج الرعاية أحد أبرز محاور النقاش، حيث أجمع عدد من الباحثين على أن الاعتماد الحصري على التضامن الأسري لم يعد كافيا لمواجهة التحديات الراهنة. ودعوا إلى تبني مقاربة مؤسساتية قائمة على “العدالة الاجتماعية”، تضمن للمسنين حقوقهم الكاملة ضمن السياسات العمومية، بدل اختزال رعايتهم في بعدها الإحساني أو الأخلاقي.
وفي هذا الإطار، قدمت تصورات عملية تروم بناء نموذج أكثر إنصافا واستدامة، يوازن بين دور الأسرة ومسؤولية الدولة، ويستجيب للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.
لم تغب الرؤية الاستشرافية عن أشغال الندوة، حيث طرحت مفاهيم حديثة مثل “الشيخوخة الإيجابية”، التي تدعو إلى إدماج كبار السن في الحياة العامة باعتبارهم فاعلين لا مجرد مستفيدين من الرعاية. وشدد المشاركون على أهمية دعم الصحة النفسية وتحسين جودة الحياة، خاصة في مرحلة ما بعد التقاعد.
وأكدت المداخلات أن المسنين يشكلون رصيدا بشريا غنيا بالخبرة والمعرفة، يمكن توظيفه في خدمة التنمية، شريطة تهيئة سياسات عمومية دامجة تعزز حضورهم في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي.
وخلصت الندوة إلى جملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى إرساء نظام وطني للرعاية المنزلية، وتعزيز خدمات طب الشيخوخة ضمن مقاربة وقائية، إلى جانب إحداث “بطاقة المسن” لضمان ولوج عادل للخدمات. كما أوصى المشاركون بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات غير المستفيدة من أنظمة التقاعد، وإحداث فضاءات تمكن كبار السن من نقل خبراتهم وتعزيز اندماجهم المجتمعي.
في ختام أشغالها، شددت الندوة على أن شيخوخة السكان لا ينبغي أن تختزل في كونها عبئا ديمغرافيا، بل تمثل فرصة لإعادة صياغة أسس التضامن الاجتماعي وتجديد العلاقة بين الأجيال. فكرامة المسنين، كما أكد المشاركون، تظل معيارا حاسمًا لمدى تماسك المجتمع وقدرته على بناء نموذج تنموي عادل وشامل.
وبين دور الأسرة والتزام الدولة، يظل التحدي قائما في بلورة سياسات متوازنة تجعل من الشيخوخة مرحلة للحياة الكريمة والمشاركة الفاعلة، بدل أن تكون عنوانا للهشاشة والإقصاء.