أصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي توصية جديدة تدعو إلى اعتماد إطار وطني شامل لتوجيه وتأطير استعمالات الذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي تشهدها المنظومات التعليمية عبر العالم.
وأوضح المجلس أن هذه المبادرة تندرج ضمن أدواره الدستورية الاستشارية والاقتراحية، وتنسجم مع أهداف الإصلاح التربوي التي حددتها الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، فضلا عن استلهامها من عدد من المرجعيات الدولية ذات الصلة.
ويأتي هذا التوجه في سياق التوسع المتزايد لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل الفضاءات التعليمية والأكاديمية، وما يرافق ذلك من تحولات عميقة في أساليب إنتاج المعرفة والتعلم، إلى جانب التساؤلات المتنامية حول دور الإنسان ومكانته في العملية التربوية خلال المرحلة المقبلة.
وسجل المجلس وجود فجوة بين الانتشار السريع لهذه التقنيات داخل المؤسسات التعليمية وبين محدودية التأطير المؤسساتي والقانوني المنظم لها، معتبرا أن غياب رؤية موحدة قد يحول دون الاستفادة المثلى من الإمكانات التي توفرها هذه الأدوات الحديثة في خدمة جودة التعلمات.
وفي تشخيصه للوضع الراهن، نبه المجلس إلى مجموعة من التحديات المرتبطة بإدماج الذكاء الاصطناعي، من بينها مخاطر تعميق الفوارق الرقمية بين المتعلمين، والإشكالات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والخصوصية التربوية، إضافة إلى تحديات السيادة الرقمية والتنوع اللغوي والثقافي في ظل هيمنة بعض اللغات على النماذج والخوارزميات العالمية.
كما أكد أن هذا التحول يفرض إعادة التفكير في أدوار مختلف الفاعلين التربويين، مع الحفاظ على مركزية المدرس والمتعلم داخل المنظومة التعليمية، وضمان انسجام إدماج الذكاء الاصطناعي مع مسارات إصلاح المناهج وطرق التقييم والتدريس.
ودعا المجلس إلى تبني مقاربة وطنية مندمجة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية، مع إعداد إطار مرجعي يحدد الأهداف والمبادئ والضوابط المنظمة لاستعمال هذه التقنيات، إلى جانب تشجيع البحث العلمي وإنتاج المعرفة الوطنية القادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في المجال.
وشددت التوصية على ضرورة الاستناد إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها حماية المصلحة الفضلى للطفل، وتعزيز قدرات الأطر التربوية، وضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص، وصون المعطيات الشخصية، واحترام التنوع اللغوي والثقافي، فضلا عن ترسيخ مبادئ الشفافية والإشراف البشري والحد من مختلف أشكال التحيز الرقمي.
وأكد المجلس أن نجاح إدماج الذكاء الاصطناعي في المنظومة التربوية يستدعي اعتماد نهج تدريجي قائم على التجريب والتقييم المستمر، مع إشراك الأسر والمتعلمين والفاعلين التربويين في مواكبة هذا التحول.
وخلصت التوصية إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح خيارا استراتيجيا لا يمكن تجاهله، غير أن الاستفادة من فرصه تظل رهينة بإيجاد توازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، وبين تطوير جودة التعليم وضمان العدالة في الولوج إلى التقنيات الحديثة، بما يحافظ على دور الإنسان وقدرته على التفكير النقدي والإبداع وصناعة المعرفة.
و م ع