قدم وزير الشباب والثقافة والاتصال، محمد المهدي بنسعيد، عرضا مفصلا أمام لجنة الثقافة والتعليم والاتصال بمجلس النواب، حول مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة تروم ملاءمة الإطار القانوني للقطاع مع مقتضيات الدستور وقرار المحكمة الدستورية الصادر مطلع سنة 2026.
وأوضح الوزير أن المشروع الجديد يستند إلى مرجعيات دستورية تؤطر حرية التعبير والتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر، إلى جانب خلاصات المشاورات المهنية التي قادتها اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير القطاع، في سياق اتسم بنقاش واسع حول مستقبل هذه الهيئة التنظيمية.
ويأتي هذا النص التشريعي تتويجا لمسار قانوني معقد، انطلق بالمصادقة عليه في المجلس الوزاري خلال يوليوز 2025، قبل أن يمر عبر غرفتي البرلمان، ليحال لاحقا على المحكمة الدستورية، التي قضت بعدم دستورية بعض مواده، ما استدعى إدخال تعديلات جوهرية لضمان انسجامه مع أحكام الدستور.
ومن أبرز هذه التعديلات تقليص عدد أعضاء المجلس إلى 17 عضوا بدل 19، عبر حذف فئة “الناشرين الحكماء”، استجابة لملاحظات المحكمة التي شددت على ضرورة احترام مبدأ الانتخاب داخل الهيئات المهنية. كما تم تعزيز تمثيلية النساء داخل المجلس، من خلال التنصيص على حضور نسائي إلزامي ضمن المنظمات المهنية التي تحظى بأكثر من مقعد.
وبخصوص تركيبة المجلس، حافظ المشروع على توزيع ثلاثي للفئات، يشمل ممثلي الصحافيين المهنيين وممثلي الناشرين، إضافة إلى ممثلي المؤسسات الدستورية، مع تحديد دقيق لآليات الانتخاب والانتداب بما يضمن توازناً في التمثيلية وعدالة في توزيع المقاعد.
وفي هذا السياق، اعتمد النص نظام “القاسم الانتخابي” لتحديد تمثيلية المنظمات المهنية، مع اشتراط حد أدنى من الحصص التمثيلية للمشاركة في توزيع المقاعد، فضلا عن اعتماد معايير إضافية، مثل عدد المستخدمين، لحسم حالات التساوي.
كما أولى المشروع أهمية خاصة للمرحلة الانتقالية، من خلال إحداث لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات المهنية، تضم قاضيا وممثلين عن مؤسسات دستورية وهيئات مهنية، وتتمتع بصلاحيات تنظيمية واسعة إلى حين تنصيب المجلس الجديد.
ويعكس هذا المشروع محاولة لإعادة التوازن إلى قطاع الصحافة، بعد فترة من الجدل المهني والمؤسساتي أعقبت انتهاء ولاية المجلس السابق وتعذر تنظيم الانتخابات في وقتها، وهو ما دفع إلى إحداث لجنة مؤقتة لتسيير القطاع، في خطوة أثارت تباينا في مواقف الفاعلين بين من اعتبرها ضرورة ظرفية ومن رآها مساسا بمبدأ التنظيم الذاتي.
وقد أسهم قرار المحكمة الدستورية في توجيه الصيغة النهائية للنص، من خلال التأكيد على أولوية الانتخاب داخل الهيئات المهنية ورفض بعض أشكال التعيين، ما دفع الحكومة إلى مراجعة المشروع بما يضمن توافقه مع روح الدستور ومبادئ الحكامة الجيدة.
وبذلك، يفتح مشروع القانون الجديد صفحة جديدة في مسار تنظيم قطاع الصحافة بالمغرب، على أمل إرساء هيئة مهنية أكثر تمثيلية واستقلالية، قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي وتعزيز ثقة الفاعلين فيه.