الإثنين 8 يونيو 2026 - 13:21

“أكادير أيت كين” بتكموت.. معلمة تراثية تجسد عبقرية الهندسة الواحية وتاريخ التدبير الجماعي

تعد “أكادير أيت كين”، المتواجدة بجماعة تكموت بإقليم طاطا، واحدة من أبرز المعالم التراثية في واحات الجنوب الشرقي للمملكة، حيث تعكس نموذجا فريدا من العمارة التقليدية المرتبطة بثقافة المخازن الجماعية أو “الإكودار”، التي اضطلعت عبر التاريخ بأدوار اقتصادية واجتماعية وأمنية داخل المجتمع الواحي.

ولا يزال هذا المخزن الجماعي يحافظ على وظيفته الأصلية إلى اليوم، إذ يستعمل لتخزين الحبوب، خاصة الشعير، والفواكه الجافة، إلى جانب حفظ بعض الوثائق والمقتنيات الخاصة بالأسر، في مشهد يعكس استمرارية تقاليد عريقة متجذرة في الثقافة الأمازيغية المحلية.

ويعتمد تسيير هذا الفضاء التراثي على نظام تقليدي دقيق، حيث يفتح المخزن عند بزوغ الفجر ويغلق عند غروب الشمس، تحت إشراف حارس مكلف، في تجسيد لقيم التنظيم الجماعي والتضامن التي ميزت المجتمعات الواحية لقرون.

ورغم غياب معطيات تاريخية دقيقة حول تاريخ تشييده، فإن وثائق وأرشيفا محليا يعود إلى سنة 1120 هجرية (1708 ميلادية) يشير إلى استعماله منذ تلك الحقبة، مما يؤكد عمق جذوره التاريخية ودوره في الحياة اليومية للساكنة.

ويمتد “أكادير أيت كين” على مساحة تفوق 500 متر مربع، ويضم عشرات الغرف المخصصة لتخزين مختلف المنتوجات الفلاحية والصناعات التقليدية، إضافة إلى مرافق داخلية من بينها مسجد، في تصميم يعكس الطابع المتكامل لهذه المنشآت الجماعية.

كما يتميز الموقع ببنية دفاعية بارزة، خاصة من خلال بوابته المحصنة المعروفة باسم “أمي نواسقيف”، والتي كانت تشكل نقطة مراقبة وحماية، حيث كان “إنفلاس” (ممثلو العائلات) يتولون مهمة الحراسة والتنظيم من الطابق العلوي، لضمان أمن المخزن وساكنة المنطقة.

وتبرز القيمة المعمارية للمخزن في تفاصيله التقليدية، من باب خشبي مزخرف وجدران عالية، إلى فضاءات داخلية كانت تستخدم أيضا لحماية الماشية من المخاطر الطبيعية والتهديدات الخارجية، ما يعكس بعده الوظيفي المتعدد.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح الباحث في التراث المحلي إبراهيم أمركي أن هذا المخزن الجماعي لعب دورا محوريا في حفظ المنتوجات الفلاحية والمقتنيات الثمينة للأسر، بما في ذلك المخطوطات والمجوهرات، مؤكدا أهميته في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة.

وأضاف أن “أكادير أيت كين” يتكون من 76 غرفة، تخصص لكل أسرة غرفة خاصة، إلى جانب غرفة جماعية موجهة للقبيلة، مشيرا إلى أن هذا الموروث التراثي يشكل رافعة مهمة للتنمية السياحية واستقطاب الباحثين والمهتمين بالثقافة الواحية.

ويعد هذا الصرح التاريخي جزءا من منظومة “الإكودار” التي تعكس غنى التراث الأمازيغي بالمنطقة، وتؤكد أهمية إقليم طاطا كمحطة تاريخية لعبور القوافل التجارية وملتقى للثقافات عبر العصور.

وفي ظل الجهود المحلية الرامية إلى صيانة هذا التراث، تعمل وزارة الشباب والثقافة والتواصل على تثمين هذه المخازن الجماعية، والسعي إلى تسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتبارها موروثا حضاريا يعزز الذاكرة الجماعية ويساهم في التنمية المحلية المستدامة.

و م ع