احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بباب الرواح، التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، مساء الجمعة 13 مارس 2026، أشغال الندوة الفكرية الثالثة ضمن السلسلة الرمضانية السنوية لماستر الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لإفريقيا، تحت عنوان “دبلوماسية التأثير: جيوسياسية القوة الناعمة”، وذلك بشراكة مع المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري من أجل التنمية والمنتدى الإفريقي للتنمية والأبحاث الجغرافية والاستراتيجية.
وشكل هذا اللقاء العلمي، الذي احتضنه مدرج الشريف الإدريسي، فضاء للنقاش الأكاديمي وتبادل الرؤى حول التحولات الجيوسياسية المتسارعة في العالم، والدور المتنامي للقوة الناعمة كأداة للتأثير في العلاقات الدولية. وعرف الحدث حضورا دبلوماسيا لافتا تمثل في عدد من سفراء وممثلي الدول الإفريقية المعتمدين بالرباط، من بينهم سفراء مالي وبوركينا فاسو وأنغولا ورواندا والغابون، إلى جانب أساتذة جامعيين وباحثين وطلبة.
وفي كلمته خلال الجلسة العلمية، تناول الدكتور كوفي ديودوني أسوفي، المدير العام للمركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري من أجل التنمية وسفير ووزير مفوض سابق في خارجية بنين، موضوع التحولات التي تعرفها الممارسة الدبلوماسية، مؤكدا أن العمل الدبلوماسي لم يعد يقتصر على العلاقات التقليدية بين الدول، بل أصبح متعدد الأبعاد يشمل الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والرقمية، إضافة إلى دور الشبكات غير الحكومية والتواصل العالمي في تشكيل النفوذ الدولي.
من جهته، قدم الباحث فؤاد عكي، الأستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة تحليلية لمفهوم القوة الناعمة، مشيرا إلى أن هذه الأدوات ظلت لفترة طويلة حكرا على القوى الغربية، خصوصا الولايات المتحدة، قبل أن تبدأ قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، في توظيفها ضمن استراتيجياتها لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. كما أبرز التجربة المغربية في اعتماد دبلوماسية هادئة وواقعية عززت حضور المملكة على المستوى الإفريقي.
وفي السياق ذاته، تطرق الخبير في الشؤون الجيوسياسية والاقتصادية مصطفى بوسيف إلى مسألة السيادة المعرفية لإفريقيا، معتبرا أن القارة مطالبة اليوم بإعادة بناء قدرتها على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والسرديات الدولية، من خلال دعم البحث العلمي وتطوير الابتكار والتكنولوجيا.
كما قدم محمد سنوسي، أستاذ الدراسات الاستشرافية والعلاقات الدولية، قراءة تحليلية حول موقع إفريقيا في النظام الدولي، مؤكدا أن القارة أصبحت فضاء استراتيجيا لتجريب أدوات النفوذ الجديدة، حيث تتقاطع مصالح القوى العالمية والإقليمية عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات والتعاون الأمني والمعلوماتي.
وفي مداخلة أخرى، شدد موسى المالكي، منسق ماستر الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لإفريقيا، على أهمية بناء مدرسة جيوسياسية إفريقية مستقلة تستند إلى الخصوصيات التاريخية والجغرافية والاقتصادية للقارة، مع تعزيز التعاون العلمي بين الجامعات ومراكز البحث الإفريقية.
كما سلط الدكتور محمد الكيحل الضوء على مكونات القوة الناعمة المغربية في ظل التحولات الدولية، مبرزا دور الثقافة والتاريخ والتقاليد الدينية والسياسية للمملكة، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، في تعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي على الساحة الدولية.
وتناولت مداخلات أخرى موضوع الدبلوماسية العلمية وإنتاج المعرفة في إفريقيا، إضافة إلى الدور الاستراتيجي للموارد الطبيعية في تعزيز السيادة الاقتصادية للقارة، حيث أكد الباحثون أن التحكم في سلاسل الإمداد والتصنيع أصبح عاملا حاسما في موازين القوة العالمية.
وعلى هامش الندوة، نظم حفل إفطار رمضاني جمع الضيوف والدبلوماسيين والأساتذة والطلبة في أجواء اتسمت بروح الحوار والتبادل الثقافي، كما شهد اللقاء توقيع بروتوكول تسليم هبة علمية لفائدة طلبة الماستر، تضمنت مجموعة من الكتب والمراجع الأكاديمية قدمها الدكتور محمد حركات دعما للبحث العلمي في مجالات الجيوسياسة والاقتصاد السياسي الدولي والدبلوماسية الاقتصادية.
وشكلت هذه الندوة منصة علمية للنقاش حول التحولات الجارية في النظام الدولي، والدور المتزايد للقوة الناعمة في إعادة تشكيل موازين النفوذ العالمي، إلى جانب تعزيز الحوار الأكاديمي بين الباحثين والدبلوماسيين حول مستقبل إفريقيا في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة.