الأحد 5 أكتوبر 2025 - 21:03

التقاعد: محطة بين الطمأنينة وقلق الفراغ

التقاعد: محطة بين الطمأنينة وقلق الفراغ

حين يسدل الستار على سنواتٍ من الجهد والعطاء، ويودع الانسان روتين الوظيفة وضغط المواعيد والاتصالات المكثفة، تبدأ رحلة جديدة لا تقل أهمية عن مسيرته المهنية، إنها مرحلة التقاعد… لحظة يختلف معناها من شخصٍ إلى آخر، بين من يراها فسحةً للراحة وطمأنينة البال، ومن يراها بداية فراغٍ يختبر فيه صموده النفسي ومعناه الإنساني.

يعيش المتقاعدون مرحلةً حساسة تجمع بين الحنين إلى الماضي والرغبة في استعادة الذات. في فضاء صغير، يلتقي رجال قضوا أعمارهم في خدمة الوطن في مجالاتٍ مختلفة؛ التعليم، والإدارة، والصحة. يجد هؤلاء أنفسهم اليوم أمام حياة أكثر هدوءا، لكنها لا تخلو من التساؤلات والأحلام المستقبلية، ومعها محاولات صادقة لتقبّل الواقع الجديد.

بعيدا عن ضجيج المكاتب وصخب المواعيد، يواجه المتقاعدون تحديا من نوع آخر، تحديا نفسيا واجتماعيا يتجلى في إعادة بناء الإيقاع اليومي للحياة بعد عقود من الالتزام والانضباط. يشعر بعضهم بأن الزمن توقف فجأة، فيفقدون الإحساس بالجدوى والدور، بينما يحاول آخرون ملء الفراغ عبر أنشطة جديدة تمنحهم معنى مختلفا للوقت والذات

ويؤكد خبراء علم النفس أن هذه المرحلة تحتاج إلى دعم نفسي ومجتمعي خاص، إذ يعاني عدد من المتقاعدين من مشاعر العزلة والقلق، خصوصًا أولئك الذين اعتادوا حياةً مليئة بالمسؤوليات. في المقابل، يجد البعض في التقاعد فرصة لاكتشاف شغف قديم، أو استئناف علاقة دافئة بالعائلة، أو ممارسة هوايات طال انتظارها

في كل الحالات، يبقى التقاعد مرحلة انتقالية أكثر من كونه نهاية، رحلة نحو التوازن بين الماضي الذي غادر، والحاضر الذي يفرض إيقاعه الجديد.

وبين هؤلاء المتقاعدين، تبرز نساء كرسن حياتهن للعمل والعطاء في ميادين التعليم والصحة والإدارة، وواجهن سنواتٍ من التحديات المهنية والاجتماعية بإصرارٍ وصبر. اليوم، بعد أن أُسدلت الستارة على مسارٍ طويلٍ من الجهد، يجدن أنفسهن في مرحلة من التأمل والراحة القسرية، بين الحنين إلى أيام النشاط، والرغبة في الاستمتاع بالسكينة التي غابت طويلًا

تقول إحدى المتقاعدات في حديثها لجريدة ميدمارميديا “التقاعد ليس استراحة بقدر ما هو امتحان جديد مع الذات… كنت أستيقظ كل صباح لأجل الآخرين، واليوم أتعلم أن أستيقظ من أجل نفسي.

في النهاية، سواء كان المتقاعد رجلاً أو امرأة، يظلّ التقاعد محطة إنسانية عميقة، تكشف عن حاجة المجتمع إلى احتضان هذه الفئة، وتقدير ما قدمته من سنوات خدمة، لا باعتباره ختامًا لمسار، بل بدايةً لحياة أخرى تستحق الاحترام والدعم

شهادات حية متنوعة بين رجال ونساء

التقاعد مرحلة انطلاق نحو آفاق جديدة في مسيرة الحياة

الحاج عمر، متقاعد مند 14 سنة، إن التقاعد لا يعني بأي حال من الأحوال الركون والانطواء، بل يعتبر من وجهة نظري مرحلة انطلاق نحو آفاق جديدة في مسيرة الحياة، ذاكراً أن التقاعد هو انتقال الإنسان من مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى، لم أشعر بالملل اثناء تقاعدي، بل الراحة والطمأنينة، و بفضل أصحابي المتقاعدين ملئت وقت فراغي بلعب ” الطامة” هكذا يسمونها  لعبة أصبحت تجري في عروقي، حينما ألعبها ولا أحب أن يحدثني احد وحتى هاتفي النقال أقوم بإغلاقه إلى أن أنتهي من لعبتي المفضلة.

في البداية الشعور بالدونية والقلق من التقاعد

كفاح، واشتغال، وسهر ومثابرة، يخرج صباحا ولا يعود إلا ساعات متأخرة بعد الزوال، يأمر وينهي، وكلامه مسموع وأوامره مطاعة، هكذا يتصور أو يتهيأ ذلك فقط، وعلى غفلة من الزمان يجد نفسه مركونا بإحدى زوايا البيت، يتغير كل شيء ويبدأ الإحساس بالدونية والشعور بعدم أهميته بين الناس والأهل باستغنائهم عن خدماته، يثير ذلك في نفسه الكثير من الغضب، بالنسبة الحاج احمد، التقاعد في البداية كان مللا وضجرا من الحياة لعدم استغلال الوقت، لكن ألان بعد زيارتي اليومية لهذا المقر المخصص للمتقاعدين أصبحت أعيش فترة راحة وأدركت أنني يجب أن استغل الحياة بشكل ايجابي، فبدأت بلعب        “السطرنج ” هذه اللعبة التي تفتح الذاكرة وتجعلني أتنافس وأصدقائي أثناء اللعب فيها  كما أقوم  بتبادل الحوار والقيام بأنشطة ورحلات متعددة هكذا أصبحت أقضي معظم وقتي.

التقاعد جنة ورحمة من الله سبحانه وتعالى

تقبل بكل أريحية التقاعد لدى “سي الحسين ” كما هو الحال بالنسبة  للحاج محمد وابراهيم والعربي ومروان وغيرهم من الأسماء كان التقاعد بالنسبة لهم جنة ورحمة من الله سبحانه وتعالى لأنهم أصبحوا يؤذون فرائضهم الدينية في وقتها المحدد،ولهم الوقت الكافي لزيارة الأحباب والجلوس مع الأسرة، وقضاء أغراضهم بدون عجلة مع الوقت، وقاسمهم المشترك لعب ” الكارطة” هكذا يقضون وقتهم، ما إن يصلون صلاة العصر يجتمعون في مكانهم المعتاد، مكان مغطى من أشعة الشمس وبه موائد وكراسي يهنئ انك ستقوم بتناول وجبة غذاء أوعشاء، لكن المكان مخصصا للعب “الكارطة” هذه اللعبة التي أخذت عقولهم كما يقولون كل واحد يتربص نحو الأخر ويراقب بكل صمت الورقة التي ستوضع فوق المائدة، هكذا يعيشون أيامهم، حيث في الصباح يقضون أغراضهم المنزلية، وبعد العصر مباشرة يسارعون إلى مقر التقائهم ليبذؤا منافستهم الشديدة في هده اللعبة.

مراجعة النفس بعد التقاعد

أحسست بعد التقاعد بالطمأنينة والهدوء والاستقرار النفسي، وتغيرت حدة تفكيري عن الدنيا إلى الآخرة، وربما يكون سبب ذلك تقدم السن ومراجعة النفس في الفراغ الذي أطبق علي ، فوضعت لنفسي برنامجاً دينياً ،حيث  بدأت بقيام الليل وبتخصيص وقت في الصباح لقراءة القرآن وأداء سنة الضحى، وحاولت جاهدا في أوقات الصلوات المكتوبة أن اذهب إلى المسجد مبكرا وان أتأخر في الخروج بعد انقضائها، بالإضافة إلى القيام ببعض الأعمال الخيرية والاجتماعية، وأنشطتي المفضلة تبادل الحديث في الأمور الدينية مع هؤلاء الأصدقاء اللذين أصبحوا جزء مني.

ارتباطي بالمجتمع بعد التقاعد

التقاعد زاد تأملي في علاقتي بالمجتمع، فكان من الصواب أن أركز على محاسبة نفسي قبل محاسبة الآخرين، وان اعزز ايجابياتي تجاه أسرتي لأوفر لهم دفء المشاعر، ولأغمر الجميع بالتعاون المثمر، فكان هناك عدة قرارات جميلة اتخذتها وحاولت جاهداً تنفيذها، فبدأت بتخصيص وقت في الصباح لتلبية متطلبات الأسرة، وزيادة فترة الجلوس معهم، والتركيز على صلة الرحم، والزيارات أو التواصل مع من يعز علي عندما كان العمل سبباً في انقطاعي عنهم.

التقاعد ليس نهاية المشوار، بل بداية تأمل وتوازن. مرحلة يكتشف فيها الإنسان معنى الهدوء بعد صخب العمل، ويعيد ترتيب أولوياته بين العبادة والعائلة والأنشطة التي تُنعش روحه.

بين من يملأ أيامه بالفرح والعطاء، ومن يغرق في صمت الفراغ، تبقى الرسالة واحدة: الحياة لا تنتهي عند التقاعد، بل تُولد من جديد بطريقة أعمق وأكثر إنسانية.

بقلم حنان كرامي