الخميس 25 سبتمبر 2025 - 17:03

الصانعة التيزنيتية: أنامل تصوغ الفضة …وتبني التنمية

في قلب مدينة تيزنيت، حيث تتعانق أصالة التاريخ مع نبض الحاضر، تنبثق حكايات نساء صنعن من الفضة دربًا نحو الكرامة والتمكين.

 

في قلب مدينة تيزنيت، حيث تتعانق أصالة التاريخ مع نبض الحاضر، تنبثق حكايات نساء صنعن من الفضة دربًا نحو الكرامة والتمكين. إنها ليست مجرد حرفة، بل ميراثٌ ثقافي تتوارثه الأجيال، وتحمله أنامل نسائية بإبداع لا يعرف الحدود. بين المطرقة والسندان، وبين خيوط الزخرفة ورموز الهوية، تسكن حكاية صانعة تقليدية تيزنيتية، جسدت في مشوارها معاناة الحرفة، وشغف  الفن، وإرادة التغيير. الصناعة التيزنيتية اناملها وهويتها تصوغ الفضة وتبني التنمية، وتصنع الفرق، كما تنقش الثروة.

هي نماذج لنساء أعادن تعريف دور الحرفي في مجتمع يسعى للتنمية، فحولن الفضة من معدنٍ ثمين إلى رسالةِ صمود وبناء. من هنا، تبدأ الحكاية

 

أنامل من فضة… تحكي حكاية تيزنيت

في زقاق من أزقة تيزنيت القديمة، حيث يتداخل رنين المطارق مع صمت الذاكرة، تشتغل “أمينة”، صانعة الفضة، على قطعة جديدة وكأنها تُصيغ جزءًا من روحها. هذه الحرفة ليست لها مجرد مهنة، بل امتداد لهوية، وانتماء لمدينة تُعرَف في المغرب بأنها مهد الصياغة الفضية الأمازيغية.

الصانعة امينة خربوش

امينة خربوش
الفضة تزنيت الصانعة

مينة خربوش، رئيسة تعاونية “تفيليت ننقرت”، واحدة من هؤلاء الرائدات. تقول بثقة
“الفضة إرث عائلي. بدأت قصتي معها منذ الطفولة، لأنها كانت جزءاً من يوميات بيتنا،

ولم أشأ أن أتخلى عنها. فهي ليست مهنة فقط، بل تاريخ وهوية من خلال التعاونية، استطاعت أن تخلق فرص عمل حقيقية لنساء وشباب المنطقة، وأن تساهم في تحسين أوضاع عشرات الأسر، مشيرة إلى أن الحرفة “دعمت الاستقرار المالي وساهمت في بناء الثقة بالنفس” ”

الصانعة… حارسة الهوية

المرأة في تيزنيت، كما تصفها أمينة، ليست مجرد متلقية للزينة، بل حاملة للرموز، وناقلة للمعاني.
كل قطعة تُصاغ هنا تحمل حكاية، ترمز إلى القوة أو الخصوبة أو الحماية… الصانعة لا تبتكر الحلي فقط، بل تُعيد صياغة الذاكرة بلغة يفهمها الجيل الجديد.”

وتضيف: نحن نُعيد الحياة لنقوش توشك على الاندثار، ونُلبسها لامرأة عصرية تبحث عن الجمال والعمق في آن واحد.”

من الشغف إلى التمكين

بالنسبة للصانعة أمينة، لم تكن الصياغة فقط حرفة، بل وسيلة للاستقلال والتمكين تقول امينة
من خلال مشروعي الخاص، اكتسبت ثقة بنفسي، وتعلمت كيف أكون مقاولة وفنانة في آن واحدة هذه المهنة غيّرت حياتي، وأعطتني صوتًا ومكانة داخل المجتمع

وترى أن المرأة الصانعة أصبحت عنصرًا فاعلًا في اقتصاد المدينة، وجزءًا من دينامية جذب السياحة وتنمية الصناعة الثقافية.

تيزنيت… الفضة التي تتكلم

ما يميّز فضة تيزنيت، في نظرها، هو ذلك التوازن بين الدقة التقنية والحمولة الرمزية
كل نقش عندنا له دلالة، نستخدم تقنيات مثل النقش اليدوي والتطعيم بالألوان، لكن نُحمّلها دائمًا بمعانٍ تتجاوز الجمال السطحي”تصاميمها تجمع  بين النقش الأمازيغي والهندسة العصرية، لتخاطب امرأة تحترم تراثها وتتطلع إلى المستقبل.

الوعي الثقافي… تحدٍّ يومي

رغم جهودها في التوعية، تعترف أمينة أن الوعي بقيمة الحرفة ما يزال متفاوتًا
“البعض يرى الفضة مجرد سلعة، لكنني أؤمن أن علينا شرح القصة وراء كل قطعة… حين يفهم الزبون معنى النقش، يشعر أن القطعة تنتمي له، كأنها جزء من تاريخه

المعارض… نوافذ على العالم

تعتبر أمينة أن المشاركة في المعارض الوطنية والدولية ليست فقط فرصة للبيع، بل مسؤولية ثقافية
حين أشارك في مهرجان، أحمل معي تاريخ مدينة، ولهجة، ونقوشًا منسية… إنها فرصة لأُعرّف العالم بتيزنيت، وأُثبت أن المرأة الأمازيغية صانعة لهوية متجددة.”

المرأة الصانعة لم تعد فقط حارسة للذاكرة الجماعية، بل أيضًا رافعة للتنمية المحلية. فهي تخلق من ورشها فضاءات للتكوين، ومواطن شغل، ومساحات للتعبير الفني.

الفضة منحتي صوتا داخل المجتمع

حرفتي منحتني استقلالاً مادياً، لكنها منحتني أيضًا صوتاً داخل المجتمع. أصبحت أنقل مهاراتي لبنات جيلي، وأشارك في المعارض وأقدّم صورة مختلفة عن المرأة الأمازيغية: مبدعة، واقتصادية، وثقافية في آنٍ واحد.”

في مدينة كتيزنيت، ترتبط الفضة ارتباطًا عضويًا بالهوية الثقافية. ما يُميّز الحلي هنا ليس فقط جمالها، بل حمولتها الرمزية. فكل نقش يحمل دلالة: للحماية، للخصوبة، للانتماء، وكل قطعة، كما تقول الصانعات، ليست منتجًا، بل “وثيقة ملبوسة

ورغم تحديات السوق، ومحدودية التسويق الرقمي، وضعف الدعم التقني، تُصر النساء على الصمود، بل على التألق. تقول إحدى المشاركات في المعارض الوطنية
“حين أُشارك في المعرض، لا أُسوّق فقط قطعة فضة، بل أُمثل مدينة، ولهجة، وثقافة. إنه فخر ومسؤولية في آن واحد.

    الصانعة سعيدة بوضاض

نساء من فضة… حين تصوغ المرأة الأمازيغية مستقبل تيزنيت

في قلب مدينة تيزنيت، حيث ينسج التراث العريق والمهارة الحرفية معًا، تتألّق المرأة الأمازيغية في فن صناعة الحلي الفضية، لترسم بيدها لوحة من الأصالة والإبداع والتجديد

كيف بدأت الرحلة

حكاية من فضة :الصانعة التيزنيتية وحفظ الهوية

حكاية من فضة : الصانعة التزنيتية وحفظ الهوية

تقول إحدى الصانعات: “وُلدت في تيزنيت، المدينة التي تنبض بالحرفيين والصاغة، فتأثرت منذ صغري بهذا العالم الجميل، لم يكن حبي للفضة مجرّد إعجاب سطحي، بل ارتباط وجداني بالرموز الأمازيغية ودلالاتها، وحكايات النساء اللواتي ارتدينها قبلي، بعد أن نالت دبلومًا عاليًا من أكاديمية الفنون التقليدية في الدار البيضاء، قررت العودة إلى مسقط رأسها، ليس لتقليد الموروث، بل لتجديده بأسلوب معاصر
وترى أن ما يدفعها للاستمرار رغم التحديات هو إيمانها العميق بأن الفضة ليست مجرد معدن ثمين، بل لغة وهوية، والمرأة قادرة على إعادة تشكيل التراث بأساليب حديثة دون أن تفقد جوهره”

دور المرأة في الحفاظ على الهوية التراثية

في تيزنيت، لم تكن المرأة مجرد متلقية للزينة، بل كانت دائمًا حاملة للرموز، فكل قطعة فضة تُصاغ أو تُرتدى تحكي قصة انتماء وقوة وذاكرة، تضيف الصانعة سعدية “الصانعة اليوم هي ليست فقط مبدعة للحلي، بل حارسة للرموز، تحفر في المعاني، وتحيي نقوشًا توشك على الاندثار، وتعيدها للواجهة بلغة يفهمها الجيل الجديد”.

التمكين والتنمية من خلال الحرفة

“تأسيس مشروعي الخاص ‘Anir Jewels’ لم يمنحني فقط استقلالًا اقتصاديًا، بل أتاح لي مساحة لأكون نفسي: امرأة أمازيغية، حرفية، ومقاولة”، هكذا تصف الصانعات تجربتها
المرأة الصانعة لم تعد على هامش التنمية، بل أصبحت عنصراً فاعلاً في تحريك الاقتصاد المحلي، وجذب السياح، ونقل المهارات، وتقديم حلول مبتكرة لمتطلبات السوق، وتقول سعدية: “المرأة التي تصوغ الفضة تصوغ أيضًا مستقبل مدينتها”

تصاميم تزنيت… تُصاغ بالذاكرة قبل أن تُصنع بالأدوات

ما يميز حلي تيزنيت ليس فقط المهارة التقنية، بل الحمولة الثقافية التي تحملها كل قطعة
كل نقش فيها يحمل رموزًا للحماية، الخصوبة، والانتماء للهوية الأمازيغية العريقة
وتُمارس تقنيات مثل “الفيلاغران” و”النييلاج” بدقة عالية، غالبًا بشكل يدوي، متوارثة عبر الأجيال
تصاميم تيزنيت ليست متشابهة؛ فهي تُصاغ بالذاكرة قبل أن تُصنع بالأدوات

اللمسة الشخصية في كل قطعة

تقول صانعة: “أعتبر كل قطعة من ‘Anir Jewels’ رسالة شخصية. أستلهم من الجغرافيا، الحكايات، والخطوط الأمازيغية، ثم أعيد تشكيلها بلغة أنيقة وبسيطة تناسب المرأة المعاصرة”.
تمزج بين التقليدي والعصري، الفضة والذهب، الخط الأمازيغي والهندسة الحديثة، لتعبر عن نفسها كجسر بين الماضي والمستقبل، بين الحارسة والمبدعة.

ليلى البيض

التمكين والتنمية من خلال الحرفة

كيف بدأتِ رحلتكِ في حرفة الصياغة الفضية، وما الذي دفعكِ للاستمرار فيها رغم التحديات؟

نشأت في بيئة تعتبر الصياغة الفضية جزءًا من حياتنا اليومية وهويتنا الأمازيغية العريقة، فهي حرفة عائلتي ووالدي، الذي كنت أراقب بتمعّن خطواته وهو يصوغ الخناجر والمجوهرات بأصابعه الماهرة
ورغم دراستي الجامعية، لم يكن ارتباطي بهذه الحرفة مجرد حنين للماضي، بل كان خيارًا واعيًا وامتدادًا طبيعيًا لهويتي العميقة. بعد تخرجي، التحقت بتخصص صناعة الحلي عام 2010، حيث اكتسبت تقنيات جديدة ووسعّت معارفي، مما ساعدني على تطوير أسلوبي الخاص
أسست ورشتي الخاصة بعد سنوات من التعلم والتجربة، وجعلتها مساحة تجمع بين الابتكار والحفاظ على التراث
بالرغم من العديد من التحديات، خاصة في قطاع غير منظم يفتقر للدعم الفني والمالي، ظل الشغف ودعم عائلتي ورضا زبائني الدافع الأساسي للاستمرار
بالنسبة لي، الصياغة ليست مجرد مهنة، بل رسالة أرتقي بها من أجيال مضت وأسعى لنقلها بروح جديدة للأجيال القادمة.

ما الدور الذي تلعبه المرأة الصانعة في الحفاظ على هوية تيزنيت التراثية والثقافية؟

تلعب المرأة الصانعة في تيزنيت دورًا حيويًا ومحوريًا في صون الهوية التراثية والثقافية للمدينة، فهي لا تقتصر على إنتاج الحلي الفضية التقليدية فقط، بل تنقل القيم والرموز التي تحملها كل قطعة
الحرفة في تيزنيت هي ذاكرة جماعية وهوية متجذّرة في أعماق الثقافة الأمازيغية
تُعيد المرأة الحرفية إحياء التقنيات القديمة، وتدمجها برؤية معاصرة تحترم الأصل وتواكب الذوق الحديث، كما تكسر الصورة النمطية التي تقتصر هذه الحرفة على الرجال.
تحمل أناملها حكايات المكان والناس، وتجسد من خلال إبداعها التراث المادي واللامادي للمنطقة، وتحافظ على رموز ثقافية أصيلة مثل “تازرزيت” وطرق العمل التقليدية التي تشكل جزءًا من هوية تيزنيت
بإدماج لمسات معاصرة في تصاميمها، تضفي المرأة الحرفية بعدًا ديناميكيًا للحرفة، فتصبح حية ومتجددة، لا مجرد تقليد جامد.
وبفضل حضورها في الورش والمعارض ووسائل التواصل الاجتماعي، صارت المرأة الصانعة سفيرة لتراث تيزنيت، تنقله للأجيال الجديدة داخل المغرب وخارجه، محافظة على نبض المدينة وتراثها في كل تفصيل فضي تصنعه

هل ساهمت مشاركتكِ في هذه الحرفة في تحسين وضعكِ الاجتماعي والاقتصادي؟ وكيف ترين دور الصانعة التقليدية في تنمية المدينة؟

بكل تأكيد، كان لانخراطي في حرفة صناعة الحلي الفضية أثر إيجابي واضح على وضعي الاجتماعي والاقتصادي، لم تمنحني هذه الحرفة مصدر دخل مستقل فقط، بل منحتني شعورًا بالاعتزاز والتمكين، وأتاحت لي أن أكون فاعلة في المجتمع من خلال تأسيس ورشتي الخاصة..
تعلمت كيف أدير مشروعي وأتعامل مع الزبائن وأبني شبكة علاقات داخل المدينة وخارجها، كما ساعدني دخلي الذاتي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
أما دور الصانعة التقليدية في تنمية المدينة، فهو دور استراتيجي لا غنى عنه، خصوصًا في تيزنيت التي تُعرف بصياغتها الفضية على المستوى الوطني والدولي
المرأة الصانعة لا تحافظ على التراث فقط، بل تخلق فرص عمل، وتحرك الاقتصاد المحلي، وتجذب السياح ومحبي المنتجات الأصيلة، ومع ازدياد مشاركتها في المعارض والتكوينات والتسويق الرقمي، أصبحت رافعة أساسية للتنمية الثقافية والاقتصادية، وشريكًا مهمًا في بناء صورة حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد لمدينة تيزنيت

ما الذي يميز تصاميم الفضة في تيزنيت عن باقي المدن؟

تصاميم الفضة في تيزنيت تتسم ببُعد هوياتي عميق، فهي ليست مجرد زينة، بل مرآة لهوية أمازيغية غنية بالرموز والدلالات والنقوش التي تزيّن القطع الفضية تحكي قصصًا متوارثة تعبّر عن مفاهيم مثل الحرية، الحماية، والانتماء للأرض، الرموز الهندسية كالخطوط المتقاطعة والمثلثات تحمل دلالات روحية واجتماعية متجذرة في الثقافة الأمازيغية عبر القرون، هذه الخصوصية تجعل كل قطعة فضة منتجًا ثقافيًا بصريًا فريدًا، لا مجرد إكسسوارتقنيًا، يعتمد الحرفيون على أساليب دقيقة مثل النقش اليدوي وتطعيم الفضة بالأحجار أو الزجاج الملون، وهي تقنيات تنتقل عبر الأجيال داخل الورش العائلية، تحافظ على خصوصية الصناعة المحلية.
هذا التميز يجعل فضة تيزنيت علامة فارقة على المستويين الوطني والدولي، إذ تجمع بين التراث واللمسة الفنية الراقية التي تعبّر عن الأصالة والهوية العميقة.

هل تدخلين لمستكِ الخاصة في كل قطعة تصنعينها؟ وكيف تعبّرين عن ذاتكِ من خلالها؟

بالطبع، أحرص أن تحمل كل قطعة أصنعها جزءًا من روحي، لأن الحلي ليست مجرد معدن يُشكل، بل لغة أعبّر بها عن نفسي وعلاقتي بالمكان والزمان.
أستلهم تصاميمي من محيطي الأمازيغي، من رموزنا القديمة وتفاصيل الحياة اليومية، وأمنحها بصمتي الخاصة من خلال تنسيق الألوان وتوازن الأشكال، وحتى من خلال التخريم الذي أتعامل معه كخط فني يشبه الرسم
كل قطعة هي حكاية، تعبّر أحيانًا عن ذاكرة طفولة، وأحيانًا عن حلم أو إحساس.
أسعى دائمًا لتحقيق توازن بين التقاليد والحداثة، بين الموروث وما نريد أن نبتكره
هذا الإبداع يمنحني حرية داخل حدود الحرفة، ويجعلني أخلق أعمالًا فريدة تعبّر عن شخصيتي
الحلي عندي ليست منتجًا جاهزًا، بل عمل فني ينبض بالشخصية ويمنح المرأة التي ترتديه شعورًا بالتميز والارتباط العاطفي، كما أرتبط أنا بها أثناء تشكيلها..

بقلم الاعلامية حنان كرامي