الخميس 14 مارس 2024 - 15:16

شهر الصيام بين الارتقاء الروحي والتهافت على الاستهلاك المفرط

تختلف التصورات الخاصة من شخص لآخر حول شهر رمضان، فإذا كان الجانب الروحي سائدا إلى حد كبير عند استحضار شهر الصيام لدى كثيرين، فإن الجانب الاحتفالي يسود لدى شريحة أخرى.rnrnوخلال هذا الشهر، يطغى لدى البعض هاجس البحث عن أحدث الصيحات في “تقاليد” الطبخ والملابس، أو أي شكل من أشكال الموضة السريعة التي تنتشر خلال هذه المناسبة، وهي سلوكيات مدفوعة كذلك بتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، إذ لا يتوانى البعض عن الانغماس في السباق المحموم لتحضير “الشهيوات”، واقتناء الأزياء التقليدية، والانكباب على أنشطة الترفيه…، إلى حد الوقوع في فخ الاستهلاك المفرط بعيدا عن روح الاكتفاء والوسطية التي يتعين أن تميز هذا الشهر الفضيل.rnrnوغني عن القول إنه لا شيء يفلت اليوم من تحولات المجتمع الاستهلاكي التي باتت تمس كل أنحاء المعمورة، وتؤثر على جميع جوانب الحياة اليومية، بما فيها الجانب الروحي والديني.rnrnوخلال شهر رمضان، لا تنضب السوق الاستهلاكية بتعدد أوجه الاستهلاك، كالإفطارات الجماعية وأمسيات المديح ورحلات السفر المنظمة للعمرة، والاحتفالات بأول صيام للأطفال، وغيرها.rnrnوتبلغ ذروة أوجه الاستهلاك هذه خلال ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن، والتي يتم الاحتفال بها تقليديا مساء يوم السادس والعشرين من رمضان، ولها مكانة خاصة في نفوس المغاربة، يتوجه خلالها العديد من المؤمنين إلى المساجد لأداء صلاة التراويح والتهجد، لكن دون أن ينعزلوا تماما عن الاحتفالات الليلة الموازية، وتعد هذه المناسبة فرصة للراغبين في أن يغنموا أقصى ما يمكنهم من فضل هذه الليلة التي تعد “خيرا من ألف شهر”.rnrnوفي مقابل هذا الوضع المتناقض، الذي بات مقلقا بشكل متزايد، هناك من يحاول، بطريقة أو بأخرى، إيجاد التوازن الصحيح بين الروحي والمادي، والتوفيق بين السعي إلى مستوى عال من التقوى في ارتباطه مع الركن الرابع للاسلام، ومتطلبات الحياة الحديثة، بين الالتزامات المهنية والتحديات المجتمعية.rnrnوعن سبل تحقيق هذا التوازن، تجيب بشرى، وهي مديرة مركز للتدريب، بعبارة واحدة هي: “اعتماد أسلوب حياة”، وتدافع، من خلال نشاطها المهني الذي يركز على إدارة التوتر النفسي، على أهمية اتباع أسلوب حياة صحي خلال شهر رمضان وخارجه، وذلك من أجل تجنب الإفراط.rnrnوتوضح أن الأمر يتعلق “بتناول أكل متوازن” من أجل الحفاظ على الصحة، وتجنب الأطباق التي تحتوى على كميات عالية من السكريات والتوابل، التي عادة ما تملأ الطاولات المغربية، منبهة إلى أهمية التمتع بحس “التنظيم” بشكل يسمح للمرء بالانغماس في الروحانيات دون أن يعيق إنجاز مهامه اليومية.rnrnوعلى المستوى الشخصي، تقر بشرى أنها تستعد مقدما بشكل جيد لشهر رمضان، من أجل الاستمتاع بالأجواء والتقاليد المغربية الفريدة التي تتخلل الشهر الفضيل، “والتي تتيح الفرصة من أجل الارتقاء الروحي، وتقوية الإيمان والتقرب من الله”.rnrnوهو ما يسمح لهذه المختصة في التدريب بإدارة مواعيدها بشكل ناجع، وبمواصلة الوفاء بالتزاماتها المهنية، مع الحرص على تنظيم الدورات التدريبية التي تقدمها في الخارج، بإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، خارج شهر رمضان، إذ تؤكد أنه من غير الوارد أن تبتعد عن المغرب وعن عائلتها خلال هذه المناسبة، فرمضان في نظرها رديف للبهجة والضيافة والمشاركة والتضامن.rnrnوبدوره، يتفق فريد، وهو موظف بنكي “شديد القلق”، مع هذا النهج؛ إذ يحرص على ممارسة الرياضة من أجل الاسترخاء والصفاء الذهني بعد يوم من العمل المكثف. لكن المشكلة، بالنسبة لفريد، أن هذا النشاط البدني يفتح شهيته وقت الطعام، ويضعف قدرته على مقاومة جميع الأطباق الرمضانية الشهية التي تؤثث المائدة “من أجل متعة العين والمعدة!”، وهو ما يؤثر بشكل خاص على قدرته على أداء التراويح بانتظام.rnrnويؤكد فريد أنه عقد العزم هو وزوجته على تناول الطعام الصحي المتوازن من خلال بذل كل ما في وسعهما لتجنب التبذير، والهدف من كل هذا هو الانسجام التام مع روح رمضان.rnrnوعلى هذا المنوال، يظهر العديد من المواطنين نفس العزم على الالتزام بالدينامية الإيجابية التي تنشأ في هذا الشهر الفضيل، على أمل استمرارها على مدار العام، من أجل حياة أفضل وناجحة اجتماعيا ومهنيا وروحيا.